ما هي "مكونات" التي تؤدي إلى "وصفة" مدرسة تعزز تكافؤ الفرص؟

المدرسة التي تعزّز تكافؤ الفرص تلتزم برؤيةٍ تربويةٍ موجهة نحو مبدأ تكافؤ الفرص، وهي رؤية تنعكس في القرارات الإدارية، وفي جوانب التعلم والعمل والتنظيم، وكذلك في الروح التنظيمية والخطاب القيمي السائد داخل المدرسة.
يُوجّه جميع الأنشطة داخل المدرسة بواسطة خمسة مبادئ العمل تعبّر عن هذا الالتزام وتطبّقه، ومن خلالها تنبع الممارسات التربوية والتنظيمية التي تميّز المدرسة.
ومن خلال مبادئ العمل، لا يقدم الدليل إطارًا عمليًا فحسب، بل أيضًا خارطة طريق قيمية: فالدعوة الموجهة للمدارس التي تعمل وفق هذا الدليل هي اعتماد الموقف الأخلاقي الذي تمثّله مبادئ العمل، واختيار المشاركة في عمليات التأمل، والحوار، والتطوّر المرتبطة بها.
مبادئ العمل:
يرى هذا الدليل أن وجود منظومة من العلاقات الجوهرية والأصيلة، والتواصل الشخصيّ المتعاطف في جميع مجالات العمل داخل المدرسة، وبين جميع الشريكات والشركاء فيها، وبأشكال متنوعة من المسارات المتوازية في المستويات المختلفة للعمل المدرسي، يُعدّ شرطاً أساسياً لقيادة وتنفيذ عمليات تغيير موجَّهة نحو تحقيق تكافؤ الفرص.
إنّ اللامساواة تتجلّى أولاً وقبل كل شيء في العلاقات: في العلاقات التي تُنتِج تجربة الإقصاء، وفي منظومة العلاقات التي تُكرّس دوائر الإقصاء.
لذلك، فإن الممارسات القائمة على التعاطف، والتركيز على العلاقات والتواصل الشخصيّ، والعمل العاطفي، سواء مع الفئات المهمَّشة أو مع جميع أفراد المجتمع المدرسي، تُشكّل الأساس لتجسير الفجوات، وتعزيز الثقة، وبناء علاقات تمكينية تُتيح النمو والتطوّر.
ومن هنا تأتي أهمية مبدأ “العلاقات والتواصل الشخصيّ” كشرطٍ ضروري للسير عكس مسار الإقصاء، والتقدّم نحو تحقيق المساواة وتكافؤ الفرص.
[إن الدمج المستمر بين الانعكاسية، والتي هي مهارة وجدانية-معرفية متجذّرة في الممارسات الموجهة لها، وبين التعلّم المستمر الذي يتيح تغييرًا في أنماط التفكير والمشاعر والسلوك، يُعدّ مبدأ عمل أساسيّا لعمليات فردية وجماعية تهدف إلى إحداث تغيير في واقع متغير، ولتطوير رؤية نقدية، ولبناء موقف مهني-تطبيقي تجاه قضايا اللامساواة والإقصاء.
إن الممارسة التعليمية الاستقصائية، الاستباقية والحوارية، المنطلقة من التأمل بالذات وبالواقع، تُشكّل الأساس للفعل الموجَّه نحو التغيير على مستوى الذات وعلى مستوى الواقع، كما تمثّل رافعة رئيسية لتطوير الثقافة والوعي في جميع أبعادها.
ويرى الدليل أن مبدأ "الانعكاسية والتعلّم المستمر" هو شرط أساسي لقيادة التغيير المنظومي المستند إلى رؤية قيمية-اجتماعية، ولتعزيز عمليات التطوّر والتنمّية، سواء لدى الطلاب أو لدى الطاقم التربوي.
القيادة والوكالة (Agency) هما مفتاح قدرة الفرد والمجتمع على إسماع الصوت، وتحويل القوة الكامنة إلى فعل، وتغيير واقع الحياة، وصنع التأثير في العالم.
بكونهم مبدأ عمل يميّز ويشكّل الممارسات التربوية في المجال المدرسي، فإن القيادة والوكالة هما شرط أساسي لتمكين المربّين والمربّيات من تنفيذ التزامهم تجاه عمليات التغيير عامة، وعمليات التغيير التي تعزّز الحراك الاجتماعي وتكافؤ الفرص على وجه الخصوص، ولتأسيس المدرسة كمكان يحتضن مثل هذه العمليات.
إن تصوّر الوكالة لدى المعلّمات والمعلّمين، والطالبات والطلاب، يقوم على رؤية جميع الحاضرين في المجال المدرسي كأفراد شريكة، فاعلة، مبادرة، تضع الأهداف وتقود المسارات، انطلاقًا من تجربة من الحصانة، والانتماء، والملكية، والاستقلالية، والقدرة على صياغة رأي والتعبير عنه، وتجسيد وجهة نظر، وامتلاك القوة لتشكيل واقع حياتي وبيئي.
أما التوجّه المدرسي الشمولي نحو القيادة، فيرى الطالبات والطلاب، والمعلمات والمعلمين، كقادة قادرين على قيادة التغيير التكيّفي، ويوفّر لهم فرصًا للفعل، والتعبير، والتفكير، والنمو كقادة مؤثرين.
إنّ الدافع والحركة نحو تحقيق تكافؤ الفرص، والسير عكس اتجاه الإقصاء، يرتكزان على رؤية تقوم على التضامن والمسؤولية المتبادلة، ولذلك فهما يقتضيان اعتماد الشراكة والعمل التعاونيّ ليس فقط كطريقة عمل، بل أيضًا كمبدأ موجِّه للفعل التربويّ والاجتماعيّ.
إنّ العمل المشترك يتيح مجالات أوسع للتأثير والفعل، ويُمكّن من الاستمرارية في مسارات التغيير، وتحقيق أثر طويل الأمد ومتعدد المستويات، ومن هنا تنبع أهميّته بوصفه شرطًا أساسيًّا لتعزيز المساواة وتكافؤ الفرص.
إنّ توفير فرص منتظمة وفعّالة للشراكة والتعاون – سواء في سياقات التعلّم أو في مجالات الفعل التربويّ – يولّد تجربة من المشاركة، والإحساس بالمعنى، والانتماء، وهي النقيض الجوهريّ لتجربة الإقصاء.
وعليه، فإنّ مبدأ “الشراكة والتعاون” يُعدّ عنصرًا محوريًّا يرسّخ تنوع الممارسات الجماعية داخل جميع فضاءات المدرسة، ويُؤسّس المدرسة كـحيّز مجتمعيّ يُعزّز الانتماء ويُشكّل في الوقت نفسه ساحة للتغيير الاجتماعيّ ودفع مسيرة تكافؤ الفرص إلى الأمام.
يتبنّى النظام الذي يهدف إلى تعزيز تكافؤ الفرص رؤية اجتماعية ترى أنّ البيئة، والمجتمع، والعائلة، أي المحيط البشري والمادي الذي يعيش فيه الطالبات والطلاب ويعمل ضمنه المدرسة، تُشكّل مصدر قوة، وغنى، ومعرفة.
إنّ عمليات التغيير الفعّالة، التي تهدف إلى ترك أثر ملموس وإحداث تأثير اجتماعي، تتطلّب تعاوناً أصيلاً وعملًا حواريًا مستمرًّا مع البيئة المحيطة. وبصفة خاصة، فإنّ المسارات التعليمية التي تعزّز تكافؤ الفرص تشترط إقامة علاقة داعمة مع المحيط العائلي والمجتمعي للطلاب.
إنّ الإنشاء المشترك والحفاظ المستمر على مجال مدرسي يستوعب هويات وثقافات ومجتمعات الطلاب وجميع مرتاديه، ويجسّدها ويحتفل بها، هو شرط أساسي لتنمية تجارب الانتماء والرفاهية، وهي في صميم مهمة تعزيز تكافؤ الفرص.